السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

114

مفاتيح الأصول

المذكورة بوجوه الأول إذا من أداة الإهمال وهو في قوة الجزئية فيدلّ على أن بعض أوامر الشّرع للنّدب الثاني أنّه لو تم ما ذكروه لما دلّ على مدعائهم وأن المباح أيضا مردود إلى مشيتنا فتأمل الثالث أنّه لو تم لدلّ على أن الشارع بين أن مراده بأوامره الندب ولا يلزم منه كون الصّيغة موضوعة له بل البيان يشعر بأن الندب غير معناها الحقيقي إذ لو كان معناها الحقيقي لم يحتج إلى البيان لانصرافها إليه وحمله على التأكيد والتوضيح خلاف الأصل وأمّا الثاني فلأن النقل عن أهل اللَّغة غير ثابت كما صرّح به في المعالم سلمنا ولكن نمنع من عدم دلالة السّؤال على اللَّزوم بل يدل عليه دلالة واضحة جلية تحقيق المطلب أن مدلول صيغة افعل الطلب الحتمي سواء صدرت من عال على جهة الاستعلاء فيكون أمرا أو من دان فيكون سؤالا ولكن من لوازم الأول استحقاق الذم على الترك عند العقلاء دون الثاني فليس استحقاق الذّم جزء من مدلول الصيغة بل هو لازم خارجي له وليس ذلك أيضا من مدلول لفظ الوجوب فإنه من لوازمه العرفية وإنّما عرّفوا الوجوب باستحقاق الذّم على التّرك نظرا إلى اللازم الَّذي هو المقصود الأصلي في الأصول والتعريف باللازم غير عزيز وأمّا الثالث فلما بيّناه من الأدلة الدّالَّة على الوضع للوجوب ومع ذلك فإثبات الوضع الَّذي هو من الأمور التوقيفية بذلك غير صحيح وللقائلين بالوضع للطلب الَّذي هو قدر مشترك بين الوجوب والندب وجوه منها أن الصّيغة قد استعملت تارة في الوجوب وأخرى في الندب وبينهما جامع قريب فالأصل أن يكون موضوعا للقدر المشترك ومنها تبادر الطلب عند الإطلاق وربما لا يخطر بالبال الترك فضلا عن المنع عنه ولذا عرف النحاة وأهل الأصول الأمر بأنه طلب على سبيل الاستعلاء أو العلوّ ومنها أن كون الطلب مأخوذا في مفهوم الصّيغة أمر بديهي وتقييده بالفصل من غير دليل كما هنا لا يصح ومنها كثرة ورود الأمر في الأخبار متعلقا بأشياء بعضها واجب بعضها مندوب من دون نصب قرينة في الكلام وهذا غير جائز لو لم يكن حقيقة في القدر المشترك ومنها أن أهل اللَّغة قالوا لا فرق بين الأمر والسؤال إلَّا من حيث الرّتبة وذلك يقتضي اشتراكهما في جميع الصّفات سوى الرّتبة والسّؤال لا يدل إلَّا على مطلق الطلب فكذا الأمر وفي جميع الوجوه المذكورة نظر أمّا الأول فللمنع من الأصل المذكور كما بيّناه في محلَّه سلمنا ولكن الأصل قد يصار إلى خلافه لدليل أقوى منه وقد بيّنا الأدلة الدالَّة على الوضع للوجوب ولا شك أنها أقوى من الأصل المذكور وأمّا الثاني فللمنع منه بل المتبادر الوجوب كما بيّناه والاستشهاد بتعريف النحاة وأهل الأصول فاسد فإن ما ذكروه مبني على التسامح جدّا يشهد بذلك الاختلاف العظيم في هذه المسألة مع ذهاب المشهور إلى الوجوب وأمّا الثالث فلأنه كما لا دليل على التقييد بالفصل كذا لا دليل على الوضع لنفس الطبيعة ومجرّد العلم بمدخلية الجنس في المعنى لا يؤثر وأصالة عدم اعتبار القيد معارضة بأصالة عدم الوضع للطبيعة سلمنا ولكن قد بيّنا الدليل على التقييد وأمّا الرّابع فللمنع منه سلمنا ولكن لا يتوقف ذلك على الوضع للقدر المشترك بل يصحّ أيضا على تقدير الاشتراك أو إرادة عموم المجاز فتأمل وللقائلين بالاشتراك اللفظي استعمال اللفظ في المعاني المتعددة والأصل فيه الحقيقة وجوابه أن الاستعمال أعم من الحقيقة كما بينّاه سلمنا ولكن الأصل قد يعدل عنه لدليل وقد بينّاه وللقائلين بالتوقف عدم الدليل على شيء ممّا يدعيه المعيّنون إذ العقل لا مدخل له في اللغات والنقل المتواتر غير موجود إذ العادة تحكم بامتناع عدم الاطلاع عليه عمن يبحث ويجتهد ولو اطلعوا لما اختلفوا والآحاد لو سلمت لا تفيد العلم والمسألة علميّة والجواب أن الاستدلال باللَّوازم طريق لا ينكر بل ربما يفضي إلى العلم وقد بيّنا ذلك ولا نسلَّم أن المسألة علمية فإن المسائل اللَّغوية يكفى فيها بالظهور وينبغي التنبيه على أمور الأوّل ليس المراد بكون الأمر للوجوب إلا أنّه مفيد لطلب خاص وهو الطلب على جهة اللَّزوم والمنع من التّرك ويترتب على التّرك العقاب وليس هو من مدلول الصّيغة وبه صرّح أبو حامد الأسفرائيني وإمام الحرمين وصاحب جمع الجوامع والسلطان والفاضل الشيرواني وجدي ره الثّاني اعلم أنّه يظهر من جماعة من أصحابنا كالمحقق الشيخ حسن في المعالم والفاضل السبزواري في الذّخيرة وأستاذ الكل المحقق الخونساري في شرح الدروس أن الأمر إذا أطلق في أخبار الأئمة عليهم السلام مجرّدا عن القرينة يكون مجملا فلا يمكن حمله على الوجوب واحتجوا على ذلك بشيوع استعماله فيها في النّدب بحيث صار من المجازات الرّاجحة المساوي احتمالها لاحتمال الحقيقة عند انتفاء المرجّح الخارجي واعترض عليه بوجوه منها أن شيوع الاستعمال في النّدب مع القرينة لا يستلزم تساوي الاحتمالين في المجرّد عن القرينة نعم إن ثبت شيوع الاستعمال بدون القرينة المقارنة بأن يكون استعمالهم فيه مطلقا ويعلم بدليل منفصل أن مرادهم النّدب فلا يبعد ما ذكر وكان مراد الجماعة هذا لكن إثبات مثل هذا الشّيوع لا يخلو عن إشكال وفيه نظر ومنها أن الاطلاع على هذا الشّيوع أنما حصل لهؤلاء الجماعة بملاحظة الأخبار الكثيرة الواردة عنهم عليهم السلام وأمّا كلّ واحد من الرواة لم يكن مثلهم في الاطلاع على الغلبة الناشئة من تلفيق جميع الأخبار وضمّ بعضها مع بعض فكان اللازم عنده الحمل